أبي منصور الماتريدي
106
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قيل : أَيَّانَ : متى قيامها « 1 » . وقال القتبي : أَيَّانَ مُرْساها أي : متى ثبوتها ؛ يقال : رسا في الأرض : إذا ثبت ، ورسا في الماء ، ويقال للجبال : رواس ؛ لثبوتها . ثم اختلف في السؤال عما كان : قال بعضهم : كان السؤال عن الفناء وفناء الخلق وهلاكهم ؛ لأنه قال في آخره : لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ونحوه قوله : ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً . . . الآية [ يس : 49 ] ، وذلك يكون في الدنيا . وقال قائلون : كان السؤال عن البعث وقيام الساعة ؛ إنكارا منهم إياها واستعجالا للعذاب ؛ كقوله : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها [ الشورى : 17 - 18 ] ، وقولهم : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا . . . الآية [ المؤمنون : 82 ] ، وغير ذلك من الآيات ؛ يدل على أن السؤال كان عن الساعة ، وليس قوله : لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً أنه كان عن الفناء ؛ إذ كانوا يعاينون الفناء ؛ فلا يحتمل أن يكون السؤال عن ذلك . ثم يحتمل بعد هذا وجهين : أحدهما : إن كان السؤال من المكذب بها فهو سؤال استهزاء واستعجال لما ذكرنا ، وإن كان من المصدق فهو [ سؤال ] « 2 » استعلام وإشفاق ؛ ليتأهبوا لها ويستعدوا ؛ كقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها [ الشورى : 18 ] لما سمعوا من الآيات ما يقرب وقوعها ؛ كقوله : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [ القمر : 1 ] ، وقوله : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [ الأنبياء : 1 ] ، وقوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [ النحل : 1 ] ونحوه من الآيات ، وما سمعوا من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « [ بعثت ] « 3 » أنا والساعة كهاتين » « 4 » . وفي بعض الأخبار « 5 » قال : « كادت الساعة أن تسبقني » « 6 » وغير ذلك من الأخبار ،
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 136 ) ( 15476 ) عن السدي ، ( 15477 ) عن قتادة . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 274 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد عن قتادة . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) أخرجه مسلم ( 2 / 592 ) الجمعة : باب تخفيف الصلاة والخطبة ( 43 / 867 ) ، وأحمد ( 3 / 310 ، 319 ) ، والدارمي ( 212 ) ، والنسائي ( 3 / 58 ) ، وأبو داود ( 2954 ) ، وابن خزيمة ( 1785 ) . ( 5 ) أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 348 ) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعا بلفظ : « بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت الساعة لتسبقني » . وذكره البيهقي في المجمع ( 10 / 314 ) وعزاه لأحمد والبزار عن بريدة وقال : رجال أحمد رجال الصحيح . ( 6 ) يندر أن يجيء خبر « كاد » مقرونا ب « أن » ولم يجئ في القرآن في أي موضع ، والله أعلم .